مناهج تفسير الدستور - مدونة تحليل السياسات

اَخر المشاركات

منصة إلكترونية تعنى بقضايا المعرفة السياسية

الاثنين، 24 سبتمبر 2018

مناهج تفسير الدستور

  عبدالرحمن المشعل


تتشكلُ السياسات والتشريعات في جميع الدول الأربعة بواسطة تفاعل العوامل الدستورية والمؤسسية والتاريخية. وبهذه العوامل أيضاً يتشكلُ القانون الدستوري الناتج عن القرارات القضائية. يعمل جهازُ القضاء في كل من هذه الدول تحت قواعد معينة وإجراءات خاصة به، بالإضافة إلى أنّ المناهجَ المتعددة لتفسير الدستور لها دورٌ مهم في الاختلافات الموجودة في أحكام المحاكم «يُطلق عليها كذلك آراء أو أسباب»، متى تم اللجوء إليها لحلِّ النزاعات الدستورية الفردية. سيكونُ من الصعب فهم هذه الاختلافات من دون الإحاطة أولاً بالمناهج المتعددة للتفسير.
          من المهم كذلك معرفة أنّ تفسيرَ القوانين له دورٌ في تفسير الدستور حال وجود الخلافات الدستورية. «أحياناً الأعمال التنفيذية/الرئاسية يتم الطعن فيها على أساسٍ دستوري، لكن ذلك نادراً ما يحدث». يجب على القضاة أن يُحدِّدوا مدى إلتزامهم من عدمه بتفسير القوانين بنفس المنهج الذي يُفسرون به دساتيرَ دُولهم. فالقضاءُ في الولايات المتحدة الأمريكية خَلقَ «قواعد» تفسيرية يتمُ تطبيقها. والمحاكمُ في استراليا وكندا ملتزمةٌ بقوانين تفسيرية تَنِصُّ على قواعد لتفسير القانون، بجانب مبادئ القانون العام. ويُقدِّمُ دستور جنوب أفريقيا توجيهاتٍ واضحة للمحاكم فيما يتعلق بتفسيرها لوثيقةِ الحقوق «المادة ٣٩»، وقد نادت المحكمةُ الدستورية عَبر أحكامها بالأخذِ بمنهجٍ غائي وموسع في تفسير الدستور بشكل عام. على الرغم من كل هذه الاختلافات البسيطة، إلّا أنّ جميع المحاكمِ تُطبق قرينةَ الصلاحية الدستورية عند تفسيرها للقوانين. تقوم هذه القرينة على أنّ القوانينَ غير مفترضٍ بها مُخالفة الدستور، فعند مواجهة قانونٍ ما يحتملُ أكثر من معنى تفسيري، ستُفضل المحاكم الأخذَ بالتفسير الذي يوافق الدستور على أيَّ تفسيرٍ آخر لا يوافقه.
          هُناك عدة طُرق لتقسيم مناهج تفسير الدستور، لكن من الممكن جمعها معاً تحت أربعة عناوين واسعة: الأصولية – النصوصية – التفسير الحي – البراجماتية.[النفعية]

الأصولية Originalism

          الأصوليةُ مصطلحٌ يتم استخدامه لتفسير كلماتِ الدستور بهدف معرفة معاني الكلمات تاريخياً وقت كتابتها. أحد تلك الصور من الأصولية هو البحث عن مقصد واضعي الدستور؛ أي ما كان في ذهن الرجال «أو، إذا كان ذلك ممكناً، النساء»المؤسسين للدستور أو ما كانوا يقصدونه. هذا البحث يكون إما عن ما كان يعتقده واضعوا الدستور من معنى للكلمات، و/أو ما كانوا يريدونه من تلك الكلمات أن تعني بشكل عملي حين تُطبق في القضايا مستقبلاً. صورة أخرى يطلق عليها «الأصولية الجديدة»تبحثُ عن المعنى العام لتفسير كلمات الدستور؛ ماذا كان الناس سوف يفهمونه من معنى للكلمات وقت مصادقتهم هم أو ممثليهم على كامل الدستور «على سبيل المثال، من خلال مؤتمرات تصديق الولايات على الدستور في الولايات المتحدة الأمريكية، أو الاستفتاء العام في استراليا، أو من خلال التعديلات التشريعية في كندا وجنوب أفريقيا». يُحاجِجُ مؤيدو الأصولية «في جميع صورها» بأن هذا المنهج هو المنهج الوحيد لكي نحافظ على مقاصد وقِيَم واضعي الدستور والمصادقين عليه. ويدّعي هؤلاء بأن هذه المقاصد تُعتبر مُلزمة تعاقدياً، وستبقى كذلك إلى حين تعديلها من خلال الإجراءات الشكلية المتبعة لتعديل الدستور والمنصوص عليها في الدستور والتي سيكون من الواجب اتباعها. يُصِرُّ الأصوليون على أن إغفال المعنى التاريخي للدستور يُعطي القضاةَ حريةً غير مصرح بها لإضافة قِيَمِهم الخاصة على الدستور، وتقديمها كأنها «المعنى أو المقصد» الدستوري، وبعبارة أخرى، التشجيع على «النشاط القضائي». يقول الأصوليون بأن معنى الدستور وقت كتابته هو الطريق الصحيح والوحيد لمعرفة ما يجب أن يعنيه في الوقت الحاضر.

النصوصية Textualism

          تلتبس وتتشابك النصوصية أحياناً مع الأصولية «تُعرف النصوصية في بعض الأوقات بالأصولية الدلالية»لكن ثمّة اختلافاتٍ مهمة بينهما. يُحاجِجُ النصوصيون بأنّ نَصَّ -كلمات- الدستور هو فقط ما يجب أن يُفَسَّر، وليس معتقدات أو أفكار أو مقاصد واضعيه، أو المنتمون تاريخياً له. هم يقولون بأن المحاكم يجب عليها أن لا تبحث عن ما وراء النص، بل عليها أن تتعامل مع الكلمات على أنها تعبيرٌ عن ما يُريد المؤسسون تحقيقه، وعن ما يريدون إيصاله، بغض النظر عن ما كان يدور في ذهنهم فهو أمرٌ غير ذي صلة بل وغير معلوم. هذا المنهج مُشابه لطريقة تفسير التشريعات «من دون الاهتمام بـماذا كان في حقيقة ذهن المشرعين». تُعتبر قواعد وقوانين التفسير عند النصوصيين مناسبة وغالباً كافية لتفسير كلمات الدستور وأحكامه، طالما أن المصادر التاريخية «الأصلية» للمعاني يتم الرجوع لها، والمقتصرة فقط على القواميس القانونية، والأطروحات القانونية والمصادر القانونية الأخرى التي استخدمت وقت وضع الدستور. يدعم النصوصيون منهجهم، بنفس نمط الأصوليين، باعتبار أن مغادرة المعنى الدقيق [الضيق] للنص هو دعوة غير مقيدة للنشاط القضائي.

التفسير «الحي» Living Interpretation

          هذا المنهج يُعرف كذلك بـ «التفسير التطوري»أو تفسير «الشجرة الحية»(ظهر المصطلح الأخير من حكم بريطاني شهير، سيتم تناوله لاحقاً). هو يتعامل مع الدستور باعتباره وثيقة ذات تطور مستمر ومتواصل، بحيث يجب تكييف المعنى وتعديله بناءً على القِيَم الحديثة المتطورة. أحياناً، ولكن ليس دائماً، يتم تعريف هذه القِيَم كما هي متضمنة في القانون الدولي، أو كانعكاس للممارسة العملية الشائعة وما يرتبط بها من توجهات قضائية في العالم المتقدم، وغالباً ما يتم تعريفها في إطار سلوكيات المجتمع. ينطلق الدستوريون الحيويون من النص الدستوري، كما هو الحال عند الأصوليين والنصوصيين، لكنهم يتساءلون عن ماذا تعنيه الكلمات في الوقت الحاضر بدلاً من الماضي. ويتم التعامل مع سلطة الشعب في الوقت المعاصر كما لو أنها تملك الأسبقية على سلطة أولئك الذين وضعوا الدستور. هم يُحاجِجون بأن كُلاً من الأصولية والنصوصية تُقَيِّدان الأحياء برغبات الأموات وتُنتِجان المعاني، هي على أحسن الأحوال، خارج التاريخ ومُهِينة للقِيَم الحالية في أسوأ أحوالها. ينظر الدستوريون الحيويون للأصولية كما لو أنها ترغب في التمسك بآراء الماضي وأنها تستخدم الدستور لترسيخ القِيَم المحافظة.

البرجماتية «النفعية» Pragmatism

          تعتبر البرجماتية أقل عنايةً بتقنية التفسير وأكثر إهتماماً بالنتائج. كما هو الحال عند كل القضاة، يبدأ البرجماتيون بالنصوص الدستورية لكنهم يمضون قُدُماً بتجاوز هذا الأمر لقياس التوظيف المختلف للكلمات تجاه الظروف الخاصة المحيطة بالقضية المطروحة، في ضوء العوامل الاجتماعية المحيطة وغاية العدالة. هم يُدركون بأن القضاة يمارسون سلطتهم التقديرية للاختيار من بين ما هو متاح من الاستنتاجات الدستورية، ويؤكدون على أن الاختيار -للمعنى الأفضل المعطى للكلمات- يجب أن يُوَجَّه من مجموع: النص، والمنطق السليم، والبحث عن النتائج العادلة والاهتمام بالغايات. هم يرفضون الفكرة الموجودة في مناهج أخرى القائلة بإمكانية تفسير الدستور عن طريق مبدأ عام شامل أو تجريدي. هذا الرفض تجسد بإيجاز في عام ١٩٠٥م في كلام قاضي المحكمة العليا الأمريكية Oliver Wendell Holmes, Jr: «الإفتراضات العامة لا تُقَرِّر قضايا محددة».

عن موقع "حكمة"


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق