الإستبعاد السياسي: محاولة للفهم - مدونة تحليل السياسات

اَخر المشاركات

منصة إلكترونية تعنى بقضايا المعرفة السياسية

الخميس، 6 سبتمبر 2018

الإستبعاد السياسي: محاولة للفهم

ذ.الأمراني علوي محمد

لقد أصبح المشهد السياسي المغربي بتجاذباته و تمظهراته وعجزه يفرض أكثر من قراءة، ومن زوايا ومستويات عديدة
وخاصة على المستوى السوسيوسياسي، بحيثيتم تسجيل ندرة وشح في الدراسات الأكاديمية المرتبطة بالسوسيوسياسية، التي أضحت تفرض نفسها وبقوة، من منطلق أن السوسيولوجيابمناهجها أنساقهاوانبناءاتها وأدوات إشتغالها تمكننا من معرفة عمق وكنه نكوص السياسية المغربية، وخصوصا الإستبعاد السياسي الذي يسم العلاقة بين الناخب و المنتخب/السياسي و المواطن.
إن العلاقة بين المواطن والأحزاب السياسية تعرف نوعا من القطيعة وغياب التواصل، ودليل ذلك المهرجانات الخطابية السياسيةالتي تعرف حضور أنصار الحزب ومناضليه والمتعاطفين دون القدرة على حشد جماهير غفيرة من المواطنين. "فقد أضحت ممارسة العمل السياسي أو حمل "تيكيت حزبي" عملية مذمومة وغير مرغوب فيها من طرف عامة الناس،وكل من يتحدث باسم الحزب فهو منافق وخائن في نظر المواطنين،حيث أضحت الأحزاب بمثابة وكالات للبيع الأوهام ونسج الوعود الكاذبة... فهي تعمل في بروج عالية،لا تطأ الأرض وتنظر إلى المواطن نظرة أداتيةتشييئية وانصرفت عن القيام بوظائفها المحورية وهي تربية المواطنين تربية سياسية حسنة إلى القيام بمهام منافية للأخلاق السياسية الواجبة في تدبير الشأن العام وتحولت إلى مدارس لتكوين اطر بارعة في ممارسة الديماغوجية وفنون السياسوية، حيث أصبح السياسي يستبيح كل شيء من اجل خدمة ذاته وعشيرته ويتقن مسلكيات الحربائية والتلون بحسب وجهات تحقيق مراميه و مأربه الضيقة. "[1]
 أمام هذا الوضع والمشهد المتسم بهشاشته وفقدان الثقة في رجال السياسة وهجران الحياة السياسية من لدن عامة الناس، علاوة على ضعف التواصل السياسي وغيابه في بعض الأحيان،تبرز وبقوة جملة من الأسئلة أبرزها سؤال الاستبعاد السياسي موضوع هذا العمل الذي سيتم سبر أغواره وفك طلاسمه على الشاكلة التالية:
أولا: البعد المفاهيميللإستبعاد السياسي.
"إذا كان الإستبعادالإجتماعي يبرز حسب غيدنز في المجتمعات المعاصرة بدرجة فائقة الوضوح والتبلور من خلالشكلين، الأول استبعاد أولئك القابعين في القاع والمعزولين عن التيار الرئيسي للفرص التي يتيحها المجتمع. أما الشكل الثاني –عند القمة- فهو الإستبعاد الإرادي، أو ما أسماه غيدنز« ثورة جماعات الصفوة »، حيث تنسحب الجماعات الثرية من النظم العامة، وأحيانا من القسط الأكبر من ممارسات الحياة اليومية. إذ يختار أعضاؤها أن يعيشوا بمعزل عن بقية المجتمع. وبدأت الجماعات المحظوظة تعيش داخل مجتمعات محاطة بالأسوار وتنسحب من نظم التعليم العام والصحة العامة... الخاصة بالمجتمع الكبير. وهذا ما كرس مجتمع يعاني من الإستقطاب الحاد بين طبقتين عليا كثيرة القوة والنفوذ قليلة العدد، وطبقة أدنى ( غالبية الناس) كثيرة العدد قليلة الحول والمال."[2]
فإن الإستبعاد السياسي  في نظرنا يتخذ نفس الملامح والسمات، وهو يفيد تلك الهوة الفسيحة والشرخ الكبير بين المواطنين و رجال السياسة، الذين يختارون لأنفسهم مواطنا خاصة بهم ويؤَمنون مركزا متميزا على حساب المواطنين من خلال العملية الانتخابية، هاته الأخيرة التي تعتبر قناة للتأثير على الكتلة الناخبة الفاقدة لثقافة سياسة معمقة، وشحذ كل الخطابات الرنانة والساحرة المنبثقة من عمق وغور المشاكل اليومية التي يعاني منها المواطن، وبعبارة أدق الإقتباس من المعجم الشعبوي، لا لشيء سوى لإستمالة الناخبين والإستئثار بمقعد في البرلمان أو في جماعة ترابية معينة. "إذ غالبا ما يشكل المنصب البرلماني نقطة جذب وإغراء لكل فرد لكونه يشكل ممرا حقيقيا لتحقيق نوع من المجد والجاه والوجاهة الاجتماعية والشهرة والدخول الى عوالم السلطة بحلوها ومرها ،والأكيد ان الارتقاء من وضع اجتماعي الى اخر يصاحبه ايضا تغيرات سلوكية في الفرد خصوصا في علاقته بمحيطه الاجتماعي ،والكثير من البرلمانيين يصيبهم نوع من الغرور والتعالي على الناس لان المنصب البرلماني يفرض عليهم نسج علاقات مع فئات اجتماعية اخرى ،تجعلهم في أبراج عالية وفي قطيعة مع الناس وهذا ما يفسر تنصل الكثير من البرلمانيين من التزاماتهم مع أهل دائرتهم ،ومع مرور الوقت تجدهم مغتربين عن بيئتهم الاجتماعية الاصلية حيث يتقمصون شخصية تلائم وضعهم الاجتماعي الجديد،والتي تؤثر على تصرفاتهم التي قد تتنافى الى حد كبير مع طبعهم وخصالهم الاصيلة ،وهو طبيعي جدا يجاهد من اجل الحفاظ على هذا المركز والحظوة والسعي نحو الارتقاء اكثر في السلم الاجتماعي واعلى المراتب،مع العلم ان كرسي البرلمان زائل لا محال ومهما طال الزمن أو قصر
."[3]
إن عبارة " لم نراه إلا في هذا الوقت" " مادرنا والو" " عاد دابا لي بان" "واقلب علينا الفيستا" وغيرها، والتي يتم تداولها باستمرار كلما حل وهل الكرنفال الإنتخابي سواء التشريعي أو المحلي على أفواه العامة،  تكشف وتلخص عمق الاستبعاد السياسي المكرس والمجسد على أرض الواقع، فهي ليست مجرد كلمات عامية عابرة ترددها الألسن، بل كلمات موجزة المبنى لكنها عظيمة في ايصال معنى هدر واستبعاد المواطنين ونسيان ألمهم و طموحاتهم التي بنوها ووضعوها في رجل السياسة،كذلك فهي تعبر عن قمة الغبن واللاتواصل السياسي.
إن من يسبر أغوار الاستبعاد السياسي بالمغرب يصطدم بحالات التشظي والتشرذم والتنافر ووهن الحبل الرابط بين رجل السياسة و المواطن نتيجة اعتقاد راسخ في ذهن رجل السياسة، أنه هوالوحيدالذي يصلح لمهمة الدفاع عن مصالح المواطنين وهوالأدرىبشؤونهم والعالم بخبايا عوالم السياسة من خلال زاده وباعه الطويل وحنكتهفي العمل السياسي الذي عمر فيه للعقود من الزمن، فهو دائما في كل مناسبة انتخابية يخطب ود المواطن و حثه على منحه توكيلا دائماً وعاماً دون الرجوع إليه لأخذ المشورة، فهو دائما يضحي بالغالي و النفيس من أجل الظفر بمنصب سياسي وهو على دراية تامة بالعائدات والإمتيازات المصاحبة لذلك المنصب. وسرعان ما يعلن عن فوزه إلا وينزع عباءة المواطن العارف بهموم وقضايا الناس، ويدخل عالم السلطة والجاه ويتناسىعالم المواطن البسيط."ولا شك أن منصبا في دهاليز السلطة يعطي نشوة، ويحدث معها ارتباطات شرطية مدعمة، وذلك بما تعطيه لصاحبها من مكانة وتميز وما تضفي عليه من هالة و تهيؤ له ولأسرته من هيبة وما تتيح له من خضوع الناس واستعدادهم لخدمته والتفاني فيما يريد... فالسلطة شهوة من أقوى شهوات النفس في حياة الإنسان وخاصة حين يتجاوز الإنسان مرحلة الشباب، بحيث بعد مرحلة الشباب لا تصبح الغريزة الجنسية هي الغريزة الوحيدة المتحكمة في الإنسان، بل تتفوق عليه غرائز أخرى مثل غريزة جمع المال والسلطة، ونحن نرى رجالا كثيرين لا يهتمون كثيرا بالموضوعات الجنسية خاصة في المراحل المتأخرة من عمرهم لكن يهيمون عشقاً ويضعفون أمام إغراءات السلطة أو المال."[4]
" ويُؤْثَر عن المفكر السوسيولوجي الألماني المعروف ماكس فيبر تمييزه بين من يعيشون للسياسة وبين من يعيشون ( ولا أقول من يتعيشون) منها، الفئة الأولى هم أصحاب السياسة العقائدية وكبارات رجال الدولة، أولئك الذين ولجوا ميدان السياسة إيمانا بفكرة أو دفاعا عن حق أو خدمة لمبدأ أو نصرة لمثال سياسي أو أخلاقي أو ديني أوغيره. نموذج هؤلاء كبار الساسة العقائديين ( عبد الناصر، دوغول، لينين...)المعروفين في التاريخ والذين كان همهم الوحيد نصرة المبدأ وخدمته.مقابل هؤلاء نجد فئة السياسيين التقنيين أو الإحترافيين رواد السياسة السياسوية، أولئك الذين دخلوا الساحة السياسية بحثا عن الجاه أو مال أو نفوذ، ليس همهم الأول هو تحقيق مبدأ أو تجسيم فكرة مثالية بل تسيير الأمور وتحقيق الذات، والإستمتاع بنشوة السلطة و الإستلذاد بحكم الآخرين، والإستمتاع بالخيرات والمكاسب والممتلكات. هؤلاء يعتبرون الشأن السياسي بمثابة غنيمة وعليهم أن يأخذوا نصيبهم قبل فوات الأوان..."[5]
و من هنا يتضح أنالإستبعاد السياسي يكرسه السياسي عن غير طوعية و لا إرادية من خلال الإنصياع الى شهوات الذات وملذات الحياة والجاه والمال و الرفه، ومقته في الآن نفسه البيئة الأولى الموصوفة بالفقر والتهميش والنسيان والهشاشة وبغضه العودة إليها... وهو بذلك يقيم قطيعة بين بيئته الأولى وبيئته الجديدة بمميزاتها. واستبعاد ارادي مقصود، حينما ينسحب من الحياة العامة و ممارسات الحياة اليومية الروتينية، ويختار العيش بمعزل عن ذلك بنظام جديد وارتياد أماكن خاصة  فعوض التبضع في الأسواق الشعبية مثلا يفضل الذهاب الى الأسواق الممتازة ... وما إلى ذلك ،برتوكول جديد يختلف عن ممارسات المواطن العادي.
ثانيا: تجليات الإستبعاد السياسي.
إن تجليات وتمظهراتالإستبعاد السياسي تتبدى لنا من خلال مجموعة من الممارسات والسلوكيات نجملها كالأتي:
1)   النفور من المجال السياسي:
يتجلى الإستبعاد السياسي في نفور عامة الناس من المجال والعمل السياسي واحتكاره من لدن نخبة لا تتغير، فقط تغير المناصب ليس إلا، من مقعد في البرلمان الى الوزارة أو العكس، أو من رئاسة جماعة معينة إلى مقعد في البرلمان وهكذا دواليك، نخبة مألوفة تتربع على المناصب السياسية. وبالتالي استئثار فئة معينة بهاته الأخيرة وإبعاد فئة أخرى من الحياة السياسية لعدم درايته ومعرفتها. ويرجع الدكتور مصطفى محسن هذا النفور أو ما يسميه بالعزوف عن العمل السياسي من خلال استطراد جملة من عوامل العزوف من ضمنها، "إفتقار أنشطة الأحزاب على مراهنات وتحركات سياسوية أو إنتخابية محدودة. وعدم إنتاجها لعمل سياسي مجتمعي وثقافي مستمر ومتواصل الحضور والتأثير، وتحول بعضها إلى ما يشبه « مكاتب سمسرة انتخابية » تبيع التزكيات وتوزع الترضيات والإمتيازات والمناصب والمواقع والغنائم وفق معايير لا عقلانية متقادمة. وغياب معارضة حزبية أو نقابية قوية متماسكة المرجعيات والأهداف و المواقف المتعينة كما كان في الماضي. ثم التآكل التنظيمي البنيوي للأحزاب بفعل هشاشة محاولة التجديد والتشبيب لقيادتها وأطرها بشكل ديمقراطي سليم. وانحسار تطلعاتها وانتظاراتها  في شرنقة التمسك الشديد بصالح وإمتيازات الوصول إلى مواقع التنفيذ و القرار في الحكومة أو البرلمان أو المجالس المنتخبة..."[6]
"كل هذه السلوكات والأوضاع السياسية المهترئة وغيرها كثير يخلق لدى المواطن نوعا من أزمة ثقة بالسياسة وكراهية أو تحقير أو تجريم ممارستها. وإعتبارها لدى البعض ولاسيما منهم الأميون وأشباه المتعلمين وبعض الإنعزالين أو المتدينين التقليدين أو بعض المحبطين أو المهمشين والناقمين على الأوضاع...- مجرد لعبة قذرة مشبوهة أو حتى خطرة لا يلجها إلى ذوي النوايا المغرضة وغير البريئة أو النظيفة."[7]
وهكذا فإن النفور من المجال السياسي ووضع متاريس متينة خشية وقوع الذات فيه، سلوك واع بما يروج في مضمار السياسية وما تشوبها من أعطابوإختلالات وما يبصم عليها من سمات غير مقبولة. وبالتالي فان المواطن يفضل ابعاد ذاته من مجال السياسة والإنشغالبلقمة عيشه.
وعلاوة على ما ذكر فإن من بين الأسباب الأخرى التي ساهمت في النفور من العمل السياسي "نجد أن الدولة قد مارست العنف السياسي، بالإضافة إلى تخلي الأحزاب عن وظائفها في التنشئة السياسية والتأطير السياسي، ومنه ضعف الانخراط في الأحزاب والمساهمة في الحملات الانتخابية والتصويت، لاسيما انتخابات 2007 و2011 الأخيرة... بالإضافة إلى التربية على الخوف من السياسة عند الكثير من المواطنين، وأيضا غموض مفهوم السياسة بالمقارنة مع ما يعاش وما يسمع عن السياسة، بالإضافة إلى كون انخراط الشباب يكلف الأحزاب ماديا وبشريا وهذا عيب يرافق الأحزاب منذ التأسيس لكونها تفتقر للقدرة المالية الكافية للتوسع، كما أن بعض الأحزاب هي شركات سياسية بأسهم مؤسسيها، تشتغل لحظة الانتخابات لمصلحة ذاتية بدرجة أولى، وتنظيم الأحزاب ما يزال لم يرق إلى المستوى المطلوب نظرا لكثرة الإكراهات، ولم تتحول إلى مدارس سياسية بعد."[8]
2)     الإغتراب السياسي:
وأعني بالإغتراب السياسي تلك الإنعزاليةوالإبتعاد والنزوح من العمل السياسي نحو الإنهجاسبالإحتياجات الضرورية اليوميةوقوت يومه ، وهجران المجال السياسي وفضلا عن الثقافة السطحية السياسية التي يتمتلكها عموم المواطن.
" فرصيد المعلومات العامة لدى المواطن المغربي محدودة للغاية في المجال السياسي، وقد تم الوقوف على هذا الإغتراب السياسي من خلال مؤشرات تفرزها مثلا مباريات الدخول إلى المعاهد والمدراس العليا التي تنم عن فقر صارخ في المعلومات السياسية لدى المتباريين من مختلف المستويات. وقد أنتج هذا التسطيح في الثقافة السياسية تسطيحا في الوعي السياسي، يتمظهر من خلال الحقل الإنتخابي، بحيث مازالت نسبة كبيرة من المواطنين تصوت في انتخاباتها لصالح الشخص وليس الحزب الذي ينتمي إليه، وخطاب الحزب وبرنامجه لا يشكلان بعد مقياسا للاختيار، بل هناك من يصوت على مرشح لا يعرف الحزب الذي ينتمي إليه. ثم أن بيع الصوت الإنتخابي لا يمكن أن يتم إلا من طرف أناس يفتقدون الوعي الكامل بعواقب فعلتهم وهو ما ينم عن عجز مهول في تقدير خطورة هذا السلوك."[9]إضافة إلى عدم التمييز بين الإنتخابات التشريعية و المحلية، فالإنتخاباتإنتخابات ليس إلا، وعبارات تتكرر حتى فيالإنتخابات التشريعية "ما درنا والو" التي تنم عن جهل باختصاصات النائب البرلماني الذي يعتبر همزة وصل بين المواطنين المحليين والمستوى المركزي والرقابة والتشريع.
ولا مراء أن من ينتج هذا الإغتراب السياسي " الضعف الحاصل في مختلف البنيات المؤطرة للمجتمع، حيث أن النخب الحزبية والسياسية في غالبيتها تنتج خطابا مفرطا في العموميات، وتفرز عجزا كبيرا في الأساليب التفعيلية للمرجعيات وفي النقاش السياسي المتخصص وفي التصورات العملية الدقيقة قطاعيا والخاضعة للمناهج القياس والإختبار والمحاسبة السياسية... علاوة على تراكم إعلامي في مجالات طرح القضايا السياسية للنقاش العام، فضلا عن الأمية المستفحلة"[10]"داخل المجتمع المغربي (60%)، ناهيك عن الوضعية السوسيو اقتصادية المتدهورة، حيث يعرف هذا المجتمع نسبا قياسية في الفقر و البطالة و ضعف التغطية الصحية و تردي المنظومة التربوية، و كلها عوامل مباشرة وراء شعور المواطن المغربي بعدم جدوى مشاركته لرسم مستقبله و اختيار ممثليه الذين تعوّدَ على مخالفتهم لوعودهم الانتخابية أو ضعف قدرتهم على احداث التغيير الذي ينشده.."[11]
إن شعور المواطن وإحساسه بالإغتراب في عالم السياسة، يجعله ينسل ويستقيل من هذا العالم الذي يعلو فيه الضجيج و العجيج وفحيح وهرطقات السياسيين ورواج القيل و القال والمكر والخداع و الكذب المغلف بالسكر. فيصبح غير أبهِ بما يجري وليس لديه وقت لتبديده في براثين السياسة الأسنة  التي لا تغني ولا تسمن من جوع في اعتقاده، فشغله الشاغل هو ضمان لقمة العيش لأسرته، أما السياسة في قرارات نفسه فقد شيع  جثمانها منذ زمن غابر إلى مثواها الأخير.
3) اللجوء السياسي تجاه العالم الإفتراضي.
ان الاستبعاد السياسي يولد نوعا من النزوح من العالم الواقعي الى العالم الافتراضي وعلى وجه التحديد نزوح الىمواقع التواصل الاجتماعي " فيسبوك" "تويتر" "يوتيوب" التي تعرف انثيالا مهما من لدن عامة الناس. بحيث أمست دويلات تحتوي على قاطنين بأعداد لا يستهان بها.
إن هاته المواقع أصبحت الملاذ والمتنفس الوحيدلبعث العمل السياسيمن رماده وإزالة الشوائب العالقة به. وتصريف المكبوت سياسيا، فالمتصفح لصفحات المواقع الاجتماعية يستشف أن هاته المواقع أصبحت برلمانات بديلة للبرلمان الحقيقي بمحاسنه ومثالبه، وأن الكل أصبح رجل سياسة بحيث ينوجد في هذه الصفحات أخبار سياسية طرية، وتغريدات سياسة في قالب مقالات مصغرة و فيديوهات وصور، و شجب كل الأعمال السياسية التي تثير سخط العامة...
لكن بالرغم من هذا كله، فإن التدقيق و التمحيص العميق بعقلانية يتضح أن كل ما يروج في صفحات التواصل الإجتماعي و بالتحديد ما يتعلق بالجانب السياسي، يوصلنا الى اكتشاف ضعف الثقافة السياسية وسطحيتها، فنجد فقط رد فعل يتسم بنوع من العاطفية والإندفاعية وتواتر الإشاعات، وبتعبير أدق تعبير حماسي عاطفي دون تحليل وتعبير رصين،عقلاني  مبني على مؤشرات وأسس متينة.
إن ابعاد المواطن ذاته من العالم السياسي الحقيقي الرسمي نتيجة ممارسات سياسة غير مرغوب فيها وغاية مفقودة، نحو العالم الافتراضي وما يتيحه من امكانات ووسائل تساعد على سلاسة تداول الأخبار و المعطيات. غيرممأسس بمعنى أنه لا يستند الى مؤسسات حقيقية تقوم بتعبئة الشباب بالخصوص، حول كيفية الاشتغال والتعاطي لهاته المواقع التي لا غنى عنها اليوم، والتي اضحت تلعب دورا محوريا وبارزا في التأثير على رؤى الشباب ومواقفهم تجاه العمل السياسي.
لا مناص اذن اليوم من هاته المواقع الاجتماعية التي تلقي بظلالها وترخي بسدولها  على الحياة اليومية للمواطن وما تحدثه من بليغ تأثير سياسي على فئة الشباب بالتحديد، الزائرين لها بإفراط والفاقد لرؤية نقدية ورصيدلغوي ثري، يمكناه من التمييز بين الرؤى السياسية التضليلية الساحرة، والرؤى الصائبة . فوجب مجابهة ومواجهة  الاختلالات الحاصلة على مستوى استعمال مواقع التواصل الاجتماعي سياسيا بتأطير عملية الولوج لهاته الأخيرة من مختلف المستويات ،على مستوى الأسرة و الإعلام والمدرسة.
على سبيل الختم
ان معالم الاستبعاد السياسي أصبحت تلوح في الأفق، بفعل ماإكتنف العمل السياسي من نقائص وما إختلجه من مثالب، جراء أفعال وسلوكيات رجال السياسة، و ايغالها في انتاج خطاب قائم على التمويه والتضليل والزيف. أدى الى نفور ومقت المواطن للمجال السياسي، هذا الأخير الذي أشبه ما يكون اليوم بالرجل المريض الذي يعاني من كل الأمراض المزمنة:  شيخوخة رجال السياسة، عزوف الشباب عن العمل السياسي، وعدم تجديد النخب السياسية...
ويمكن الخروج باستنتاج محوري في الأخير مؤداه ومفاده أن موضوع الإستبعاد السياسي يعبر في سياقاته ومساراته عن سكة السير الغير الصحيحة،تزيد من مساحات الارتهان والنكوص السياسيوتكريس قطيعة سياسيةواستمراريتها في ظل وجود نخبة حزبية منشغلة ببناء ذاتها وتحقيق مآربها ومصالحها الشخصية،دونما السعي الى تحقيق المصلحة العامة و ارضاء المواطن الذي يعد مانح الامتياز للساسة للوصول الى تلك المناصب. كما ندعو الى شحذ كل الدراسات السوسيولوجية نحو المجال السياسي الذي يفتقر الى دراسات سوسيولوجية حقيقية تسبر أغواره وتستبطن أعماقه.

المراجع: 


[1]عثمان الزياني،" دياجير الظلام الحزبي"، جريدة هسبريس الإلكترونية 21-10-2013 . http://www.hespress.com/writers/91891.html
[2] جون هيلز،و جوليان لوغران، و دافيد بياشو، ترجمة وتقديم محمد الجوهري،" الإستبعادالإجتماعي: محاولة للفهم" سلسلة عالم المعرفة 344، أكتوبر 2007، ص 8 و 9. 
[3]عثمان الزياني،" محاولة في فهم سيكولوجية العمل البرلماني بالمغرب"، جريدة هيسبريس بتاريخ 17 نونبر 2012.http://www.hespress.com/writers/66490.html
[4]محمد المهدي،" علم النفس السياسي رؤية مصرية عربية"، مكتبة الأنجلو المصرية ،الطبعة الأولى 2006. ص 88. 
[5] محمد سبيلا،" للسياسة بالسياسة: في التشريح السياسي"، افريقيا الشرق- المغرب، 2000، الطبعة الثانية 2010، ص 48. 
[6] مصطفى محسن،" المشاركة السياسة وآفاق التحول الديمقراطي في المغرب المعاصر نحو قراءة سوسيولوجية نقدية للأبعاد والدلالات "، مجلة رهانات العددان 6 و7 صيف 2008، ص 7 و 8.  
[7] نفس الرجع ، ص 8.
[8]أحمد الدرداري،" ،" المغرب بين ضعف دور الأحزاب وعزوف الشباب"، جريدة هسبريس الإلكترونية، 10 شتنبر 2013.http://www.hespress.com/writers/88500.html
[9] عبد الناصر فتح الله،" صفقوا لخطبة الزعيم، الإتصال السياسي بالمغرب"، مطبعة أمبريال، الطبعة الأولى 2002،ص 95 و 96.
[10] عبد الناصر فتح الله، مرجع سابق، ص 95.
[11] الصديق نخلي،" ظاهرة الإغتراب السياسي بالمغرب"، الحوار المتمدن-العدد: 1517 - 2006 / 4 / 11.http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=61892

باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة محمد الخامس الرباط
مقال منشور بمجلة وجهة النظر



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق