الوزير و متلازمة الإكراه المزدوج - مدونة تحليل السياسات

اَخر المشاركات

منصة إلكترونية تعنى بقضايا المعرفة السياسية

الأربعاء، 19 سبتمبر 2018

الوزير و متلازمة الإكراه المزدوج


د.عثمان الزياني




تم وصف نظرية الربط المزدوج لأول مرة من قبل غريغوري باتسون Gregory Bateson وزملائه في الخمسينيات. وكثيرا ما يستخدم الإكراه المزدوج double bind كشكل من أشكال السيطرة والهيمنة في مختلف العلاقات الإنسانية خصوصا في الجانب التواصلي والإكراه المزدوج يوجد حيث توجد السلطة،وهو غالبا ما يكون عبارة عن أوامر متناقضة ضاغطة، يمكن أن تكون إما صريحة أو ضمنية تفهم من سياق الموقف.
إن  "الإكراه المزدوج"  يحضر أكثر في الأنظمة السلطوية ،إذ لا تتمتع الحكومة بالاستقلالية في عملية صنع القرار، ولا يملك الوزير سلطة التأثير،و يظل تابع ومنقاد وليس سيد نفسه ،فهذا النسق المؤسساتي الحكومي يوظف للمظهر الخارجي الشكلي فقط، و دائما ما تكون هناك قنوات رئيسية تتحكم في عملية صنع القرار ،وبالتالي أي فعل أو رد فعل تواصلي يتأثر بفروض هذه "السلطوية الحتمية" ،وغالبا ما يخضع الوزير للإكراه المزدوج الذي تنتجه آليات اشتغال الأنظمة السلطوية –طبعا قد تكون هناك مجموعة من المتغيرات تؤثر في العملية التواصلية للوزير، لكن سيتم التركيز هنا على متلازمة الإكراه المزدوج- .والإجبار المزدوج يحدث في أية علاقة سلطة تنطوي على علاقة الهيمنة أي الاتصال المنبثق عن السلطة /المهيمنة ،والوزير هنا لا يملك حرية الاختيار ويكون في وضع "المهيمن عليه"، ويكون تحت قيد نفسي يجعله في موضع متناقض ومحير "لا بد لي من القيام بذلك ، ولكن لا أستطيع أن أفعل ذلك". 
إن الحديث هنا عن متلازمة الإكراه أو الإجبار المزدوج double bind ،معناه أن الوزير في كثير من الأحيان يخضع لقيدين أو ضغوط متناقضة خصوصا في عمليته التواصلية مع الرأي العام،فهو يخضع في مقام أول لإملاءات وأوامر السلطة وإكراهات المنصب التي تفرض عليه حالة الانقياد والانصياع والالتزام بمواقفها وتوجهاتها، وفي مقام آخر مناقض ،حيث تبرز فروض الضمير وحقيقة الواقع القائم ،وعلى أساس هذا التعارض تتولد المعاناة والاضطرابات النفسية أيضا.وهذا يجعل الخطاب السياسي حاملا للكثير من المتناقضات ولا يستقر على حال ،ويكتنز جملة من المضمرات التي تغيب تحديد المسؤوليات بخصوص المعضلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية القائمة،واختلالات تدبير السياسات العمومية. 
وعليه يمكن القول أن الوزير متورط في علاقات مؤسساتية ووظيفية مكثفة، و تتحكم فيه شبكة من الأوامر المتناقضة حيث يجد نفسه في قلب مصفوفة تواصلية تتناقض رسائلها مع بعضها البعض، ولا يستطيع التعليق على التناقض أيضا، بمعنى أنه غير قادر على إصدار" عبارات متلاصقة ومنسجمة "، قد تساعد على حل هذه الفوضى الكلامية. هذه الحالات ، التي يتم تكرارها بلا نهاية ، تؤدي إلى عدم قدرته  على قراءة سياق الرسائل بدقة، وغير قادر على التواصل بشكل فعال أو متماسك. باختصار، يعيش في عالم من الرسائل المضطربة التي دائما ما تتناقض مع فقه الواقع، وهي حالات متكررة، و الوضع ليس صدمة واحدة، بل هو نشاط متكرر يخلق توقعات معتادة. ،وهذه المتلازمة تجعل الوزير دائما في حالة من الضعف والوهن ،يشك في أفكاره،يتحول بدوره إلى ضحية ويفقد الشعور بهويته، وحرمانه من أي حس نقدي أو أي إمكانية للتمرد على السلطة ،حيث يوضع تحت تصرف السلطة  التي تعبث به إلى درجة تجعله دائما في حاجة إليها. وهذا الإكراه المزدوج يخلق  ديناميات تفاعلية مرضية في الجهاز الحكومي. وتنتج متواليات سلوكية متناقضة ومتكررة. و فيتسايل Wittezaele يلفت انتباهنا في هذا الصدد إلى حقيقة أكيدة وهي أن المؤسسات الحكومية ليست محصنة ضد الرسائل غير المتماسكة والمتناقضة، والحرمان من السلوك الفردي والمسؤولية ، وكل ذلك يتم في إطار يعلن فيه الوحدة والتماسك والخير ... "  
و قد ينتج عن الإكراه المزدوج أيضا ما يعرف ب "الشيزوفرينية السياسية" التي تصيب شخصية الوزير، و تفقده التوازن والتناسق على مستوى العمليات الفكرية والإدراكية والحركية والانفعالية واضطرابات واضحة في السلوك،والتي تخلق نوعا من الهلوسة السياسية وحالة من التوهمات التي هي عبارة عن معتقدات خاطئة ومنافية لمنطق الأشياء، والحديث غير المتناسق والهذيان ،وأضف إلى ذلك  حدوث أعراض معرفية ، بمعنى ضعف وظيفته التنفيذية مثلا،أي ضعف القدرة على فهم المعلومة واستعمالها في اتخاذ القرار السليم،وضعف التركيز في العمل، وغياب الدافعية والمبادرة والمبادأة أيضا.
وما يفسر هذه الازدواجية المقيتة مثلا أن يتهم "حراك الريف" بالانفصال على الرغم من أن الوزراء في الحكومة يدركون عكس ذلك،أو أن يقول الوزير الناطق الرسمي للحكومة، ب"أن هناك فرص هائلة للشغل وهو يدرك في قرارة نفسه عكس ذلك" أو أن يقول وزير التشغيل ب"أن المغربي قادر على أن يعيش بالسميك وهو متأكد أن الأمر غير صحيح ولا يستقيم في ظل ارتفاع مؤشر البطالة"،فهذه الازدواجية ناتجة عن تأثيرات وضغوطات متناقضة تفعل فعلها في السلوك التواصلي لأي وزير
وهذه الانفصامية ظاهرة على مستوى الهوة القائمة بين القول والفعل، ترى الوزير يسترسل في نقد السلوك غير الديمقراطي وأنماط السلطوية واقتصاد الريع والفساد،وهو في جوهره وفعله أكثر سلطوية، ومن خلال سلوكياته يحافظ ويغذي هذا النمط المنتقد من الحكم ويتعايش ويتكيف معه، مادام يلبي له حاجياته البيولوجية والنفسية والمادية ،وطموحاته الشخصية، فهو ينجز نوعا من التواطؤ الفج مع السلطة نظير ارتقائه في سلم السلطة وإغداقه بالامتيازات والمنافع المتنوعة.ويختلف كلام الوزير في الحكومة عن كلامه في مقرات حزبه أو المنتديات المغلقة، فهناك دائما اضطرابات تواصلية وتناقضات حاصلة على مستوى الملفوظ، فما قد يقوله الوزير اليوم أيضا ليس ما سيقوله غدا أو بعد حين. 
فالوزير في ظل وضعية "الإكراه المزدوج "قد يقوم بالتخلص المؤقت من المعاناة التي تراود فكره الواعي من خلال الانتصار لفكرة الانتشاء بالبقاء في المنصب الوزاري، ورغم ذلك تظل هذه المعاناة بشكل أو بآخر تلازمه في مساره المهني كوزير، وهذا الخنوع في حد ذاته يشكل انحرافا أخلاقيا وسقوطا إلى الهاوية بسبب فقده لكينونته وهويته، فالإنسان المستعبد بحسب تعبير "لابوسييه" لا تعود طبيعته طبيعة إنسان، فالوزير قد ينتصر لطموحه الجامح لكونه يظل وزيرا ويستمر في لعب دوره كما هو مطلوب منه ،لكن يفقد ثقة المجتمع فيه، حيث قد يتحول من خلال تناقضات كلامه وأفعاله وسلوكياته غير السوية إلى شخص منبوذ مجتمعيا، خصوصا في ظل تصاعد تأثير دور الإعلام الالكتروني(مواقع التواصل الاجتماعي) الذي أصبح يمارس ضغطا رهيبا على الوزراء.
وفي هذا الإطار أيضا يمكن استحضار ما يسميه زيمباردو ب"التنسيب المكاني"، بمعنى أن الوزير يتأثر بالمكان والموضع الذي هو فيه ،ويخضع لقواعده المعيارية الملزمة ونسقه الثقافي الضابط،فمن المعلوم أن الوصول إلى منصب الوزير يفرض قيم الطاعة والخضوع والانصياع لإملاءات السلطة، والالتزام بمجموعة من الحدود والخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها، ولا مكان فيها للمقاومة أو التمرد، بمعنى تطويع الإرادة وجعلها في خدمة السلطة لدرجة الاستلاب وفقد الاستقلالية، أي "وزير منزوع الإرادة"مسير وليس مخير، لا يملك سبل الاجتهاد والتفكير، ولا العمل المستقل الذي قد يخدم حتى طموحات المواطنين. وهذا المعطى لا ينفي افتراضات النظرية النزوعية التي تجعل أيضا شخصية الوزير موضع الاتهام لكونه يحمل جينات"الوصولية "و"الانتهازية" ويفتقد إلى أي وازع أخلاقي حيث تغلب لديه كفة خدمة مصالحه مما يجعله يتكيف مع هذه البيئة السلطوية القائمة على الانتفاع مقابل تقديم الخدمة، حيث ينعدم الضمير السياسي وتتوارى المبادئ.     
والنتيجة من كل هذا تجسيد نوع من التناقض الهيكلي antagonisme structurel الذي أضحى يحكم النسق التواصلي بين الحكومة والمواطنين،بفعل الميولات والنزوعات الحكومية نحو خدمة السلطة أكثر وتهميش المواطنين، ولكونها تلجأ إلى اعتماد نوع من الأمرية العمودية في التواصل التنازلي (نازل/نازل) المبني أساسا على إستراتيجية المغالطة والتضليل، ودون الاعتماد على التغذية الرجعية feed back التي مصدرها المواطن بدرجة أولى، والتي قد تفيدها في تعديل اختياراتها وقراراتها الخاطئة، بمعنى غياب أي سياق تفاعلي /تبادلي، قد يزيل مساحات اللبس والغموض والتضاد بين الطرفين، وهذه المقامات التواصلية المرضية تعزز حالات الإحباط، وتولد المزيد من السخط السياسي لدى فئات عريضة من المواطنين.
إن نجاح الوزير، يعتمد إلى حد كبير في قدرته على التواصل بفعالية مع الجمهور، لكونه لاعب مشروع في العملية السياسية، والتواصل مع الجمهور هو عنصر شرعي في هذه العملية، حيث أصبحت المعلومات، تشكل  جانباً حيوياً متزايداً في الممارسة السياسية والتدبيرية، وحتى في الإقناع الأخلاقي أيضا، يكون تواصل الوزير هو أداة الحكم نفسها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق